عبد الكريم الخطيب

90

التفسير القرآنى للقرآن

هكذا قطّعوا أمما وهم في هذا التيه ، وهكذا هم يقطّعون أمما في الأرض ، ويتيهون في الأمم والشعوب إلى يوم الدين . وفي قوله تعالى : « فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً » إشارة إلى تدفق الماء بقوة وغزارة أكثر مما في قوله تعالى في سورة الأعراف « فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً » . . فالانبجاس دون الانفجار ، قوة وأثرا . وهذا الاختلاف في التعبير إنما هو لاختلاف الحال ، فحين ضرب موسى الحجر كان الانبجاس أولا ، ثم تلاه الانفجار . . فكل من الانبجاس والانفجار وصف لحال من أحوال ضربة العصا ، وأثر من آثارها . . وذلك وجه مشرق من وجوه الإعجاز ، في التكرار الوارد على الأحداث ، في القصص القرآني ، كما سنعرض له ، بعد ، إن شاء اللّه . وفي قوله تعالى : « وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ » . حكم قاطع على هذه الجماعة الشاردة المعربدة ، بأن تشتمل عليها الذلة والمسكنة باطنا وظاهرا ، أي في كيانها الذاتي ، وفي واقع الحياة المسلطة عليها ، فقد كان العقاب الطبيعي لهذا الغرور المستولى عليهم أن يقتل اللّه فيهم معاني الإنسانية الكريمة ، وأن يميت في نفوسهم كل معالم القوة والرجولة ، ثم يسلّط عليهم - مع هذا - من خارج أنفسهم قوى تسيمهم الخسف والهوان ، كما يقول تعالى : « وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ » ( 167 : الأعراف ) . . وهذا هو معنى ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، فالضرب بالشيء على الشيء ، هو إحاطته به واشتماله عليه ، كما تضرب الخيمة على من تحتها ! وفي قوله تعالى : « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ